صديق الحسيني القنوجي البخاري
77
فتح البيان في مقاصد القرآن
قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ أي سيدركنا جمع فرعون . ولا طاقة لنا بهم ، وهذه قراءة الجمهور . يعني اسم مفعول من أدرك ، ومنه حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [ يونس : 90 ] وقرىء بفتح الدال المشددة وكسر الراء ، قال الفراء هما بمعنى واحد . قال النحاس ليس كذلك يقول النحويون الحذاق إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم . قال : وهذا معنى قول سيبويه . وقال الزمخشري : إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد . قالَ موسى زجرا لهم وردعا كَلَّا يعني أنهم لا يدركونكم ، وذكرهم وعد اللّه بالهداية والخلاص ، والظفر بقوله : إِنَّ مَعِي رَبِّي بالنصر سَيَهْدِينِ أي سيدلّني على طريق النجاة ، عن أبي موسى ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إنّ موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلّ الطريق فقال لبني إسرائيل ما هذا ؟ فقال له علماء بني إسرائيل : إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقا أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا ، فقال لهم موسى أيكم يدري أين قبره ؟ فقالوا ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل ، فأرسل إليها موسى فقال : دلينا على قبر يوسف ، فقالت لا واللّه ، حتى تعطيني حكمي ، قال : وما حكمك ؟ قالت : أن أكون معك في الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له : أعطها حكمها فأعطاها حكمها ، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء فقالت لهم ؛ انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت : احفروا ، فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم به ، أمر اللّه سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه » وذلك قوله : فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ وذلك أن اللّه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ، ومتعلقة بفعل يفعله ، وإلا فضرب العصا ليس بفارق البحر ، ولا معينا على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة اللّه تعالى واختراعه ، وبه نجا موسى وبنو إسرائيل وهلك عدوهم فَانْفَلَقَ الفاء فصيحة ، أي : فضرب فصار وانشق اثني عشر فلقا ، بعدد الأسباط ، وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم ، وهو معنى قوله : فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ هو القطعة من البحر ، وقرىء ( فلق ) باللام بدل الراء كَالطَّوْدِ كالجبل أو عظيمه والجمع أطواد ، يقال طاد يطود إذا ثبت الْعَظِيمِ أي الضخم بينها مسالك سلكوها ، لم يبتل منها سرج الراكب ولا لبده قاله ابن عباس ، وابن مسعود . وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ أي قربناهم إلى البحر قاله ابن عباس ، قال أبو عبيدة